أحمد بن محمد القسطلاني

167

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

عنهم - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( خير نسائها ) أي الدنيا أي خير نساء أهل الدنيا في زمانها ( مريم ) ابنة عمران ( وخير نسائها ) أي هذه الأمة ( خديجة ) . وعند مسلم من رواية وكيع عن هشام في هذا الحديث وأشار وكيع إلى السماء والأرض . قال النووي رحمه الله : أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نسائها وأن المراد جميع نساء الأرض أي كل من بين السماء والأرض من النساء قال : والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها ، وأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه . وفي حديث عمار بن ياسر عند البزار والطبراني مرفوعًا : " لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين " . قال في الفتح : وهو حسن الإسناد ، واستدلّ به على تفضيل خديجة على عائشة ، وعند النسائي بإسناد صحيح وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعًا " أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية " . 3816 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : كَتَبَ إِلَىَّ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ : " مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ ، هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي ، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ . وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلاَئِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ " . [ الحديث 3816 - أطرافه في : 3817 ، 3818 ، 5229 ، 6004 ، 7484 ] . وبه قال : ( حدّثنا سعيد بن عفير ) بضم المهملة وفتح الفاء أبو عثمان المصري نسبه لجدّه عفير واسم أبيه كثير بالمثلثة قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد الإمام ( قال : كتب إليّ هشام ) قال في فتح الباري : وقع عند الإسماعيلي من وجه آخر عن الليث حدثني هشام فلعل الليث لقي هشامًا بعد أن كتب إليه فحدثه به أو كان مذهبه إطلاق حدّثنا في الكتابة ، وقد نقل ذلك عنه الخطيب في علوم الحديث ( عن أبيه ) عروة بن الزبير بن العوّام ( عن عائشة - رضي الله عنها - ) أنها ( قالت : ما غرت على امرأة للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بكسر الغين المعجمة وسكون الراء من الغيرة وهي الحمية والأنفة يقال : رجل غيور وامرأة غيور بلا هاء لأن فعولا يشترك فيه الذكر والأنثى وما نافية وما في قوله : ( ما غرت ) مصدرية أو موصولة أي ما غرت مثل غيرتي أو مثل التي غرتها ( على خديجة ) فيه ثبوت الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلاً عمن دونهن ، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لكن من خديجة أكثر ( هلكت ) ماتت ( قبل أن يتزوّجني ) يعني ولو كانت الآن موجودة لكانت غيرتي أقوى ثم بينت سبب غيرتها بقولها ( لما كنت أسمعه يذكرها ) وفي الرواية الآتية من كثرة ذكر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياها ( وأمره الله أن يبشرها ببيت ) أي في الجنة ( من قصب ) بفتح القاف والصاد المهملة آخره موحدة لؤلؤ مجوف ، وهذا أيضًا من جملة أسباب الغيرة لأن اختصاصها بهذه البشرى يشعر بمزيد محبته عليه الصلاة والسلام لها . وعند الإسماعيلي من رواية الفضل بن موسى عن هشام بن عروة : ما حسدت امرأة قط ما حسدت خديجة حين بشرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ببيت من قصب ( وإن كان ليذبح الشاة ) إن مخففة من الثقيلة ولذا أتت باللام في قولها ليذبح الشاة ( فيهدي ) بضم الياء وكسر الدال ( في خلائلها ) بالخاء المعجمة أصدقائها ( منها ) من الشاة ( ما يسعهن ) أي ما يكفيهن ، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي : ما يتسعهن بزيادة الفوقية المشدّدة بعد التحتية أي ما يتسع لهن . قال في الفتح وفي رواية النسفيّ يشبعهن من الشبع بكسر المعجمة وفتح الموحدة وليس في روايته لفظة ما ، وهذا أيضًا من أسباب الغيرة لما فيه من الإشعار باستمرار حبه لها حتى كان يتعاهد أصداءها . 3817 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ : " مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهَا . قَالَتْ : وَتَزَوَّجَنِي بَعْدَهَا بِثَلاَثِ سِنِينَ ، وَأَمَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ - أَوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ " . وبه قال : ( حدّثنا قتيبة بن سعيد ) أبو رجاء البلخي قال : ( حدّثنا حميد بن عبد الرحمن ) بضم الحاء وفتح الميم في الأول مصغرًا الرؤاسي بضم الراء وفتح الهمزة وسين مهملة مكسورة ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الحدود ( عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - ) أنها ( قالت : ما غرت على امرأة ) أي من أزواجه عليه الصلاة والسلام ( ما غرت ) أي مثل غيرتي أو مثل التي غرتها ( على خديجة من كثرة ذكر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياها ) إذ كثرة ذكر الشيء تدل على محبته ، وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها . وعند النسائي من رواية النضر بن شميل عن هشام كالمؤلّف في النكاح من كثرة ذكره إياها